الأحد، 27 سبتمبر 2015

بعض النوادر للجاحظ


سجل الجاحظ الكثير من النوادر والحكايات التي لا تمثل فقط حالة من السخرية لكنها تكشف أيضا عن طريقة الساخرين في الحياة، ومن الحكايات التي ترد في كتابات الجاحظ تلك التي يتداخل فيها الجد بالهزل. أو الهزل ردا على جد، ووصف البخل، واستخدام الشعر في غير موضعه. مثلما رأى أن سفيان بن عيينة عندما دخل الكوفة في يوم مطير، فإذا كناس فتح مرحاضا ووقف على رأس البئر يقول:

بلدة طيبة ويوم مطير

هذه روضة وهذا غدير

كأنه يمدح يوما لا يستحق المدح، وفي غير موضعه.

والأدهى أن الرجل فتح بئر المرحاض وقال لصاحبه: انزل فأبى الرجل فنزل الكناس وهو ينشد:

لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا

وأخو الحرب من يطيق النزولا

وكأنه فارس ينزل ساحة الوغى ولا ينزل بئر مرحاض. ومن الجدية التي يتحدث بها الرجل يبدو جادا وهو يستشهد بالشعر العميق بينما الموقف كله موقف هزل.

أما الحسن فقد رأى على رجل طيلسان من الصوف، فسأله: أيعجبك طيلسانك يا هذا؟. فرد الرجل: نعم؟ فقال له: انه كان على شاة قبلك.

أما امرأة أشعب فقالت له: يا أشعب هب لي خاتما. فسألها: لماذا؟. قالت له: لأذكرك به؟ فقال لها: اذكريني أني منعت عنك خاتما. وقيل لأشعب: أرأيت قط من هو اطمع منك؟. قال نعم كلب تبعني أربعة أميال على مضغ العلك.

أما عن وصف البخل، فقد دعي أبو الشمقمق عند جعفر بن زهير، وقال يصف طعامه وكان معروفا بالبخل:

رأيت الخبز عز لديك حتى

حسبت الخبز في جو السماء

وما روحتنا لتذب عنا

ولكن خفت مرزئة الذباب

ويقصد أنه كان يهوي عليهم لا ليروح عنهم ولكن خوفا من أن يحمل الذباب شيئا من الطعام.

وجاء رجل الى بشار بن برد وسأله عن منزل رجل ذكره له، فظل بشار يصف للرجل المنزل ويفهمه، لكن الرجل لا يفهم، فأخذ بشار بيد الرجل ومشى به يقوده حتى أوصله الى المنزل وهو يقول:

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم

قد ضل من كانت العميان تهديه

فلما وصل الى المنزل قال له بشار: هذا هو منزله يا أعمى.

أما عن الهزل في موضع الجد فقد دخل يزيد بن منصور على بشار بن برد وهو واقف بين يدي المهدي ينشده شعرا، فلما فرغ من انشاده أقبل عليه يزيد وقال له: ما صناعتك؟. فرد عليه بشار: اثقب اللؤلؤ. فضحك المهدي وقال لبشار: اغرب ويلك اتنادر على خالي؟. فقال بشار: وما اصنع؟. يرى شيخا أعمى قائما ينشد الخليفة مديحا، فيقول له ما صناعتك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق