الجمعة، 4 ديسمبر 2015

قسمة إعرابي


حدّث رجلٌ قال: قدِم أعرابيٌ من البادية فأنزلتُه في بيتي، وكان عندي دجاج كثير، وكان لى امرأةٌ وابنان وابنتان، فقلت لامرأتى: بادرِي واشْوِي لنا دجاجةً وقدِّميها إلينا نتغدَّاها، فلما حضر الغَداء جلسنا جمِيعاً أنا وامرأتى وابناىُ وابنتاىَ والأعرابي.

قال : فدَفعنَا إليه الدجاجة وقلنا له: اقسمها بيننا – نريد بذلك أن نضحكَ مِنه – فقال: أنا لا أُحسن القِسمه؛ فإن رضيتُم بقسمتِي قسمتُها بينَكم، قلنا: قد رضينا...

فأخذ الأعرابي رأس الدجاجة فقطعه فناولنيه وقال: الرأس للِرأس، وقطَع الجناحين وقال: الجناحان للابنين، ثم قطَع الساقين فقال: الساقان للابنتين، ثُم قطَع الزَّمِكّى (أي الذيل) وقال: العجُز للعجوز، ثم قطَع الزَوْر (وهو الصدر وبقية الدجاجة) وقال: الزور للزائِر. فأخذَ الدجَّاجة بأسرِها وسخِر بنا!

فلمَا كان من الغد قلتُ لامرأتى: اشوُي لنا خمسَ دجاجات، فلمّا حضر الغداء قلتُ له: اقسم بيننا، قال: إنى أظنُّ أنكم وجَدتم في انفُسِكم (أي غضبتم عليّ).

قلنَا : لا، لم نجِد في انفُسِنا فاقسَم بيننا، قال: أقسِم شفعاً أو وُتراً؟ قلنا: اقُسِم وتراً، قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة، ثم رمَى إلينا بدجاجة. ثُم قال: وابناك ودجاجة ثلاثة ثُمَ رمَى إليِهما بدجاجة، ثُم قال: وأنا ودجاجتين ثلاثة! وأخذَ دجاجتين وسَخِر بنَا.

قال: فرآنا ونحنُ ننظرُ إلى دجاجتِيه فقال: ماذا تنظروُن لعلكُم كرهِتُم قِسمتي؟ الوتر لا يجيء إلا هكذا، فهَل لكُم في قسمة الشَفع؟

قلنَا : نعَم. فَضمّ الدجاجات الخمس اليه ثمَ قال: أنتَ وابناك ودجاجة أربعة. ورمَى إليِنا بدجاجة، ثم قال: والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمَى إليهن بدجاجة، ثم قال : أنا وثلاثُ دجاجات أربعة. وضمّ إليه الثلاث، ثم رفَع يديه إلى السمَاء وقال: اللهُم لكَ الحمّد أنت فهّمتَنيها!

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

العهد الصادق


يروى أن غلاماً خرج من مكة المكرمة إلى بغداد طالباً للعلم، وعمرهُ لا يزيد على اثنتي عشرة سنة، وقبل أن يُفارق مكة المكرمة قال لأمه: يا أماه أوصني.

فقالت له أمه: يا بني عاهدني على أن لا تكذب.

وكان مع الغلام أربعمائة درهم ينفق منها في غربته فركب دابتهُ متوجهاً إلى بغداد.

وفي الطريق خَرجَ عليه لصوص فاستوقفوه، وقالوا له: أمعك مال يا غلام؟ فقال لهم: نعم معي أربعمائة درهم. فهزؤوا منه وقالوا له: انصرف فوراً أتهزأ بنا يا غلام؟ أمثلك يكون معه أربعمائة درهم؟!

فانصرف وبينما هو في الطريق إذ خرج عليه رئيس عصابة اللصوص نفسهُ واستوقفهُ وقال له أمعك مالٌ يا غلام؟

فقال له الغلام: نعم، فقال له: وكم معك؟ فقال له: أربعمائة درهم. فأخذها قاطع الطريق وبعد ذلك سأل الغلام لماذا صدقتني ولم تكذب عليّ عندما سألتك، وأنت تعلم أن المال إلى ضياع؟ فقال لهُ الغلام: صدقتك لأنني عاهدت أمي على ألا أكذب على أحد.

وإذا بقاطع الطريق يخشع قلبه لله رب العالمين، وقال للغلام: عجبت لك يا غلام تخاف أن تخون عهد أمك وأنا لا أخاف عهد الله عز وجل، يا غلام خذ مالك وانصرف آمناً وأنا أعاهد الله أنني قد تبت إليه على يديك توبةً لا أعصيه بعدها أبداً.

وفي المساء جاء التابعون له من السارقين، وكل منهم يحمل ما سرقه ليسلموه إياها، فوجدوه يبكي بكاء الندم فقال لهم: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.

فقالوا له: يا سيدنا إذا كنت قد تبت وأنت زعيمنا فنحن أولى بالتوبة منك إلى الله وتابوا جميعاً.

ادع الله عند الضيق


يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

كنت قاضيا في الشام وحدث ان كنا مجموعة نمضي المساء عند احد الأصدقاء  فشعرت بضيق نفس و إختناق شديد فأستأذنت أصدقائي للرحيل ، فأصروا أن أتم السهرة معهم ولكني لم أستطع وقلت لهم أريد أن أتمشى لأستنشق هواء نقيا !

خرجت منهم مشيا وحدي في الظلام ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت نحيبا وابتهال آت من خلف التلة!

نظرت فوجدت امرأة يبدو عليها مظاهر البؤس كانت تبكي بحرقة وتدعو الله إقتربت منها وقلت لها: ما الذي يبكيك يا أختي؟

قالت: إن زوجي رجل قاس وظالم طردني من البيت و أخذ أبنائي و أقسم أن لا أراهم يوما وأنا ليس لي أحد ولامكان أذهب له.

فقلت لها: ولماذا لاترفعين أمرك للقاضي؟

بكت كثيرا وقالت: كيف لإمرأة مثلي أن تصل للقاضي؟!

ثم يكمل الشيخ وهو يبكي يقول:

 المرأة تقول هذا وهي لاتعلم أن الله قد جر القاضي « يقصد نفسه » من رقبته ليحضره إليها !

سبحان من أمره بالخروج في ظلمة الليل ليقف أمامها بقدميه ويسألها هو بنفسه عن حاجتها.

أي دعاء دعته تلك المرأة المسكينه ليستجاب لها بهذه السرعه وبهذه الطريقه.

 فيامن تشعر بالبؤس وتظن أن الدنيا قد أظلمت.  

فقط ارفع يديك للسماء ولاتقل كيف ستحل.

بل تضرع لمن يسمع دبيب النملة.

أفنضيق بعد هذا؟!

 كونوا على يقين أن هناك شيئاً ينتظركم بعد الصبر.

 ان الله لا يبتليك بشئ إلا وبه خير لك... حتى وإن ظننت العكس... فأِرح قــلبك.

 لولا البلاء لكان يوسف مُدلّلا فِي حضن أبيه، ولكنه مع البلاء صار عزيز مِصر.

 أفنضيق بعد هذا؟!

كونوا عَلى يقين أن هناك شيئاً ينتظركم بعد الصبر ليبهركم فينسيكم مرارة الألم.

الجمعة، 27 نوفمبر 2015

زوجتي لا تعمل!


حوار بين زوج وطبيب نفسي...

المعالج: ماهي مشكلتك سيدي؟

الزوج: روتين وضغط العمل٠٠٠

المعالج: ماهي وظيفتك سيدي؟

الزوج: محاسب في بنك...

المعالج: ما هي وظيفة زوجتك؟

الزوج: لا تعمل مجرد ربة منزل!

المعالج: من يوقظك واطفالك ويصنع الفطور لك ولأطفالك في الصباح؟

الزوج: زوجتي ﻷنها لا تعمل!

المعالج: متى تستيقظ زوجتك ومتى تستيقظ أنت صباحا ؟

الزوج: زوجتي في الساعة الخامسة صباحا، وأنا في الساعه السابعة لأنها تعد الأطفال للمدارس وتعد لنا الفطور!

المعالج: من يوصل أطفالك للمدرسة؟

الزوج: زوجتي فهي لا تعمل!

المعالج: ماذا تفعل زوجتك بعد توصيل اﻷطفال للمدرسة؟ وماذا تفعل أنت؟

الزوج: تعود وتعد الغداء، وتغسل الملابس، وتنظم البيت، وتنتظر عوده الأبناء، فهي بدون وظيفة ولا تعمل! وانا أذهب لعملي حتى الثالثه بعد الظهر!

المعالج: في المساء حين عودتك من العمل ماذا تفعل سيدي؟ وماذا تفعل زوجتك؟

الزوج: آخذ قسطاً من الراحة بعد الغداء بعد يوم شاق من العمل... وزوجتي تستذكر مع الأبناء واجباتهم اليومية وتوقظني بعد ذلك لشرب الشاي معاً!

المعالج: ماذا تفعل أنت بعد ذلك وماذا تفعل زوجتك في المساء؟

الزوج: أتصفح أنا الصحف وأتابع التلفاز وأخبار العالم وزوجتي تعد العشاء لي وللأطفال ثم تغسل الصحون وتنظف المنزل وتجهز اﻷطفال للنوم...

بالله عليك...

من منكما محتاج إلى طبيب نفسي أنت أم هي سيدي؟!

ومن محتاج للراحه من ضغط العمل أنت ام هي سيدي؟!

هل الروتين اليومي للزوجة من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من الليل يسمى: "لااااا تعمل وبدون وظيفة!"

إنها تعمل بدون ساعات عمل، وبدون مرتب شهري، وبدون تأمين، وبدون علاوات، وبدون حوافز، وبدون حتى كلمة شكر، ومع كل هذا لا تكل ولا تمل ولا تشتكي...

احمد الله على ذلك، وقدر زوجتك ياسيدي!

الخميس، 26 نوفمبر 2015

غزوة دومة الجندل



في شهر ربيع الأول 5 هـ الموافق آب/أغسطس 626 م، تحركت القوات الإسلامية بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم نحو قبيلة قضاعة التي كانت تنزل شمال قبائل أسد وغطفان، في حدود قبائل الغساسنة الموالين للدولة الرومية (بيزنطة)، والمشرفة على سوق (دُومة الجندل) الشهير.

تقع دُومة على بُعد 600 كيلو مترًا شمال المدينة النبوية. وذكر الحموي في معجم البلدان أنها سُميت بذلك نسبة إلى حصن بناه دوماء بن إسماعيل. أما الجندل: فهي الحجارة، ومفرده: جندلة. وعلى هذا يكون معنى اسم المنطقة: "الحصن الذي بناه دوماء في منطقة مليئة بالحجارة". وكان يُضرب المثل بمناعة حصن دومة وشدته.

● سبب الغزوة
وصلت الأنباء إلى المدينة النبوية المشرَّفة بتجمع بعض قبائل المشركين عند دومة الجندل للإغارة على القوافل التي تمر بهم، والتعرض لمن في القافلة بالأذى والظلم، ثم الاعتداء على المدينة لاحقًا. ومن الملاحَظ أن دومة الجندل تعَدُّ بلادًا نائية بالنسبة للمدينة النبوية؛ لأنها تقع على الحدود بين الحجاز والشام، وفي منتصف الطريق بين البحر الأحمر والخليج العربي، وهي على مسيرة ست عشرة ليلة من المدينة.

فحتى لو أن المسلمين أغفلوا أمرها وسكتوا على وجود هذا التجمع فيها، ما لامهم أحد ولا ضرهم هذا التجمع في شيء على المدى القريب، ولكن النظرة السياسية البعيدة والعقلية العسكرية الفذة أوجبت على المسلمين أن يتحركوا لفضِّ هذا التجمع فورًا لما يلي:

◈ السكوت على هذا التجمع وما شاكله يؤدي -بلا شك- إلى تطوره واستفحاله، ثم يؤدي بعد ذلك إلى إضعاف قوة المسلمين وإسقاط هيبتهم، وهو الأمر الذي يجاهدون من أجل استرداده.

◈ وجود مثل هذا التجمع في الطريق إلى الشام قد يؤثر على الوضع الاقتصادي للمسلمين، فلو أن المسلمين سكتوا على هذا التجمع لتعرضت قوافلهم أو قوافل القبائل التي تحتمي بهم للسلب والنهب؛ مما يضعف الاقتصاد، ويؤدي إلى حالة من التذمر والاضطراب.

◈ فرض نفوذ المسلمين على هذه المنطقة كلها، وإشعار سكانها بأنهم في حمايتهم وتحت مسئوليتهم؛ لذلك فهم يؤمِّنون لهم الطرق، ويحمون لهم تجارتهم، ويحاربون كل إرهاب من شأنه أن يزعجهم أو يعرضهم للخطر.

◈ حرمان قريش من أي حليف تجاري قد يمدها بما تحتاج من التجارة، وصرف أنظارهم عن هذه المنطقة التجارية المهمة؛ لأن ظهور الدولة الإسلامية بهذه القوة يؤثر على نفسية قريش العدو الأول للدولة الإسلامية، ويجعلها تخشى المسلمين على تجارتها.

◈ الحرص على إزالة الرهبة النفسية عند العرب الذين ما كانوا يحلمون بمواجهة الروم، والتأكيد عمليًّا للمسلمين بأن رسالتهم للعالم أجمع وليست مقصورة على العرب.

● دلالات غزوة دومة الجندل
إن وصول جيوش المسلمين إلى دومة الجندل، وهي على هذه المسافة البعيدة من المدينة وموادعة عيينة بن حصن للمسلمين، واستئذانه في أن يرعى بإبله وغنمه في أرض بينها وبين المدينة ما يقرب من خمسة وستين كيلو مترًا، لدليل قاطع على ما وصلت إليه قوة المسلمين، وعلى شعورهم بالمسئولية الكاملة تجاه تأمين الحياة للناس في هذه المنطقة، وأن هذه المناطق النائية كانت ضمن الدولة الإسلامية، وإن الدولة أصبحت منيعة، ليس في مقدور أحد أن يعتدي عليها، ولو كان ذلك في استطاعة أحد لكان هو عيينة بن حصن الذي كان يغضب لغضبه عشرة آلاف مقاتِل.

كانت غزوة دومة الجندل بمنزلة إعلان عن دعوة الإسلام بين سكان البوادي الشمالية وأطراف الشام الجنوبية.

كان في سير الجيش الإسلامي هذه المسافات الطويلة تدريب له على السير إلى الجهات النائية، وفي أرض لم يعهدها من قبل؛ ولذلك تعتبر هذه الغزوة فاتحة سير الجيوش الإسلامية للفتوحات العظيمة في بلاد آسيا وإفريقيا فيما بعد.

حكمة اكثر من رائعة

من اعظم الاشياء التي في العالم...



كان هناك رجلٌ شيخٌ طاعنٌ في السن... يشتكي من الألم والإجهاد في نهايةِ كل يوم.

◆ سأله صديقه: ولماذا كل هذا الألم الذي تشكو منه؟

◆ فأجابه الرجل الشيخ: يُوجد عندي بازان ((الباز) نوع من الصقور)

يجب عليَّ كل يوم أن أروضهما، وكذلك أرنبان يلزم أن أحرسهما من الجري خارجا،ً وصقران عليَّ أن أُقوِّدهما وأدربهما، وحيةٌ عليَّ أن أحاصرها، وأسدُ عليَّ أن أحفظه دائماً مُقيَّداً في قفصٍ حديدي، ومريضٌ عليَّ أن أعتني به واخدمه.

◆ قال الصديق:

ما هذا كله لابد أنك تضحك، لأنه حقاً لا يمكن أن يوجد إنسان يراعي كل هذه الأشياء مرةً واحدة.

◆ قال له الشيخ:

إنني لا أمزح ولكن ما أقوله لك هو الحقيقة المحزنة ولكنها الهامة...

◦ إن البازين هما عيناي - وعليَّ أن أروضهما عن النظر، إلى ما لا يحل النظر إليه باجتهادٍ ونشاط.

◦ والأرنبين هما قدماي - وعليَّ أن أحرسهما وأحفظهما، من السير في طرقِ الخطيئة.

◦ والصقرين هما يداي - وعليَّ أن أدربهما على العمل حتى تمداني بما أحتاج، وبما يحتاج إليه الآخرون من إخواني.

◦ والحيةُ هي لساني - وعليَّ أن أحاصره وألجمه باستمرار، حتى لا ينطق بكلامٍ معيبٍ مشين.

◦ والأسد هو قلبي - الذي تُوجد لي معه حربٌ مستمرة، وعليَّ أن أحفظه دائماً مقيدا،ً كي لا تخرج منه أمور شريرة.

◦ أما الرجل المريض - فهو جسدي كله، والذي يحتاج دائماً إلى يقظتي وعنايتي وانتباهي.

« إن هذا العمل اليومي يستنفد عافيتي!»

إن من أعظم الأشياء التي في العالم هي: أن تضبط نفسك، ولا تدع أي شخصٍ آخر محيطاً بك يدفعك، ولا تدع أيَّاً من نزواتك وضعفك وشهواتك تقهرك وتتسلط عليك.

لا يوجد أعظم مما خلقك الله لأجله، وهو أن تكون ملكا على نفسك!

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

باب السعادة بالاعتذار


قام إلى إفطاره ليس على العادة... لقد ظلت غمامه في سماءه هو وزوجته عكّرت صفو الودْ والمحبه بينهما.

ليس غريباً أن يحدث هذا الجفاء وهذا الخلاف - هذا أمرٌ طبيعي بين كل زوجين - لقد كان من المفروض أن يقدم كلٌ منهما تنازلٌ للآخر...

لكن هيهات - هو ربما يرى أن ذلك لايليق به كزوج - بينما هي في الجانب الآخر تقول لايمكن أن أسمح لنفسي أن أتنزل له بينما هو المخطئ عليَّ!

جلس صاحبنا على طاولة الإفطار يقشر بيضة، بينما كوب الحليب قد خفّت حرارته ومال إلى البرودة مما أفقد مذاقه...

اخذ يأكل البيضة بينما يرمق باب المطبخ ويتساءل في نفسه... لمَ لم تأتي مثل كل يوم؟
وماذا تأكل في المطبخ ؟

في هذه الأثناء قدمت زوجته وبيدها رغيف خبز. كان يحاول أن ينظر لها. هو يتمنى أن تتفوه وتلقي بالسلام عليه. حتى يمكنه أن يعتذر لها رغم أنه يُحسُّ أنه أخطأ ليلة أمس عليها. رغم هذا لايريد أن يبدأ هو في الكلام أنفةً منه!

وضعت الرغيف أمامه وكادت أن تفعل مثل كل يوم. أن تجلس أمامه وتتناول الإفطار معه. لكنها لم تستطع فعل ذلك فعادت إلى المطبخ هناك حيث أكملت تنظيف بعض الأواني...

وماهي إلا دقائق وسمعت صوت غلق الباب .. حتى تأكدت أن زوجها قد ذهب .. عادت سريعاً فوجدت أنه لم يشرب الحليب مثل كل يوم، والبيضه لم يأكل سوى ربعها!

فقالت في نفسها... طبعاً تريد مثل كل يوم أن أُقشِّر لك البيضة، وأقطعها لك -لاتستاهل ماأفعله لك - أنت زوجٌ لاتقدر الحياة الزوجية.

في هذه الأثناء جلست على الكنبه كالمنهكة، وأخذت تسرح بخيالها بينما لازالت ثائرة الغضب. تجول وتصول في داخلها وبدأت تتوعد الزوج سأفعل كذا وكذا...

لن أستقبله مثل كل يوم. سأضع ملحاً زائداً عن كل يوم في طعامه. سأفعل وأفعل و
فإنك لا تستحق كل هذا الإهتمام منّي!

أسندت رأسها على الأريكه وكانت في حالة غضب لما حصل من زوجها. أخرجت من صدرها تنهيدة عظيمه كأنما هي من بواقي زلزال عاصف - ثم قامت إلى طاولة إفطار زوجها لتنظفها - ثم فجأة!
توقفت دقات قلبها لترى ورقة صغيرة قد وُضِعت تحت رغيف الخبز... تناولتها بإضطراب شديد فإذا مكتوبٌ فيها...

بسم الله الرحمن الرحيم

زوجتي الغاليه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كم كنت أتمنى أن لو لم أخرج إلا وأنا أرى تلك الإبتسامة الرائعه التي ترسميها على ثغرك صباح كل يوم. إنها تمدني بالعطاء وتبقي لي الحياة سعيدة، بل إني أرى بها دنياً جميلة وهانئه.

كم كنت أتمنى أن لو جلسنا سوياً كصباح كل يوم على طعام الإفطار، ومعها يهنأُ بالي وأسعد بحديثكِ العذب الجميل...

زوجتي: كلٌ يخطئ أعترف لكِ لقد أخطأتُ بحقكِ ليلةَ أمس، فإن لم تغفرلي لي الخطأ وتمسحي لي الزلل، فمن يكون إذاً أيتها السيدة الغاليه!

لقد نالَ مني الشيطان مقصده ولا أراه إلا وقد وسوس لكِ لأنه عدوٌ لنا. كنت أتمنى لو قدمتُ لكِ الإعتذار - لكن سامحيني لم أستطعْ!

فلعل هذه الأحرف تعيد الأمل للحياة من جديد، ولعل هذه الورقه إيذاناً بفتح صفحةٍ جديدة معها عهود ومواثيق لإبقاء الود والمحبة إلى مالا نهايه...

سأعود مبكراً هذا اليوم أتمنى أن أجد الطعام الذي أشتهيه كما تعلمين.

التوقيع:

"زوجكِ المحب والمخلص"

لم تتمالك الزوجة المسكينة إلا أن وقعت على الكرسي المجاور وقد ملأت عيونها بالدموع... إنها دموع الحب وبصورة لا إرادية أخذت تُقَبِّل الورقة وتبكي وتقول سامحني أرجوك سامحني لم أجهز لك طعام إفطارك مثل كل يوم... ومعها انقلبت 180ْ◦ عن حالها قبل الورقة... فانطلقت كالنحلة تزين في فضاءها الواسع الجميل في بيتها الصغير وما إن دقت الساعة الواحده والنصف إذ بالزوج يفتح الباب ويدخل ومعه هديه، لكنه يتفاجأ بأن البيت إنقلب وكأنه حديقة غنّاء وروائحٌ جميلة!

قد جهزتها الزوجةُ المخلصه... فأقبلت إلى الزوج ومعها طفلها الصغير وقد ألبسته أجمل ما عندها وتزينت هي بأجمل صورة مما جعل الزوج يشهق غير مصدق لما يرى فارتسمت على الجميع إبتسامات الرضى والمحبة والصفاء والود... ولسان حال الزوج يقول سأغضبكِ كل يوم! وانطلقت الضحكات تملأُ العشُّ الصغير .

وقفة رقيقة :

هكذا هو الحال حين يعتذر المخطئ - وحين يقبل الطرف الثاني الاعتذار.

لنحاول أن نجعل حياتنا أبسط من أي خلاف...

فحينها سنجد حياتنا أجمل و أطيب، و سنفتح باب للسعادة و الرضى على قلوبنا و حياتنا.

نرى عيوب الآخرين، ولآنرى عيوبنآ


كان رجلا خائفا على زوجته بأنها لا تسمع جيدا وقد تفقد سمعها يوما ما فقرر بأن يعرضها على طبيب أخصائي اذن وحنجره... لما يعانيه من صعوبة القدرة على الاتصال معها.

ففكر بأن يستشير ويأخذ رأي طبيب الاسرة قبل عرضها على الاخصائي. قابل دكتور الاسرة وشرح له المشكلة، فأخبره الدكتور بأن هناك طريقة تقليدية لفحص درجة السمع عند الزوجة وهي بأن يقف على بعد 40 قدما من زوجتة ويتحدث بنبرة صوت طبيعية معها... فإذا مااستجابت له فكان بها، والا اقترب 30 قدما فإن لم تستجب فليقترب 20 قدم ثم 10 اقدام، وهكذا حتى يصل الى مسافة تمكنها من سماعه.

وفي المساء دخل البيت ووجد الزوجة منهمكة في المطبخ في قطع البرتقال فقال الان فرصه سأعمل على تطبيق وصية الدكتور.

فذهب الى صالة الطعام وهي تبتعد تقريبا 40 قدما، ثم أخذ يتحدث بنبرة عادية وسألها:

يا حبيبتي... ماذا اعددت لنا من الطعام... ولم تجبه!

ثم اقترب 30 قدما من المطبخ وكرر نفس السؤال:

يأ حبيبتي... ماذا اعددت لنا من الطعام... ولم تجبه!

ثم اقترب 20 قدما من المطبخ وكرر نفس السؤال:

يأ حبيبتي... ماذا اعددت لنا من الطعام... ولم تجبه!

ثم اقترب 10 إقدام من المطبخ وكرر نفس السؤال:

ثم دخل المطبخ ووقف خلفها وكرر نفس السؤال :

فقالت له... يا حبيبي للمرة الخامسة أُجيبك... اقطع البرتقال لعمل العصير!

● العبرة :
قد لا تكون المشكلة عند الآخرين كما تظن بل هي عندك، فكثيرآ مانرى عيوب الآخرين، وننسى ان ننتبه لعيوبنآ!

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

توحيد الله في العقيدة الطحاوية

جاء في العقيدة الطحاوية قول الإمام الطحاوي:


● نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله:

● إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره.

● قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء لايفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام حي لا يموت قيوم لا ينام.

● خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنة مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة ما زال بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفاته وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا.

● ذلك بأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير لا يحتاج إلى شيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

● خلق الخلق بعلمه وقدر لهم أقدارا وضرب لهم آجالا لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته.

● وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن.

● يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله وهو متعال عن الأضداد والأنداد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره.

« آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده ».


❖ تعريف العقيدة الطحاوية
● هي كتاب يحوي العقيدة التي كتبها الإمام المحدث الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي – نسبة إلى قرية بصعيد مصر - ، تخرَّج على كثير من الشيوخ وأخذ عنهم وأفاد منهم ، وقد أربى عددهم على ثلاثمائة شيخ .
وقد ذكر فيها جُمَلا من عقائد السلف الصالحين ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة ، والتي يقررها أئمة الأحناف – فقد كان الطحاوي على مذهب أبي حنيفة - وقد بين في مقدمته مقصوده من ذلك فقال :
" هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء المِلَّة : أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين ، وما يعتقدون من أصول الدين ، ويدينون به رب العالمين ".

لماذا خلقنا الله؟

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة أصبحت تدور في عقول البشر بشكل غريب جعلتني أبحث عن ردود علمائنا الأفاضل في أمر علة الخلق :

1) لماذا خلق الله عز وجل الدنيا ومن عليها والآخرة وهو تعالى يعرف من سيكون كافراً ومن سيكون مسلماً وقد خلقنا تعالى وهو كذلك؟

2) إن الله يعلم مصير كل إنسان قبل أن يخلقه ، هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار. فلماذا خلق الله الإنسان إذن؟

3) لماذا لم يخلقنا الله كاملين غير خطاءين؟ لماذا خلقنا ليبلونا ويمتحننا ثم يعذبنا إذا لم نؤمن وحتى لو آمنا وأسلمنا فسوف يعذبنا لا محالة بذنوبنا (وإن منكم إلا واردها) لأن (كل ابن آدم خطاء)

4) مادام الله خلقنا لعبادته فلماذا خلق الجنة والنار .. كان ببساطة جعلنا مثل الملائكة

5) إذا كان الله تعالى يعلم من سيدخل النار فلماذا خلقه؟؟ هل ينسجم هذا مع الرحمة الإلهية؟؟


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:

فقد خلق الله الحياة الدنيا لحكمة ذكرها في كتابه حيث قال:

{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور} [الملك:2].

فهذه الحياة هي دار ابتلاء حيث يبتلي الله عباده بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فمن صدق بالرسل وعمل بما في الكتب كان من أهل الجنة ومن أهل السعادة ومن كذب كان من أهل الشقاء وأهل النار.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما يعمله الناس أهو أمر قد قضي وفرغ منه أم أمر مستأنف ، فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه .

فقالوا : ففيم العمل يا رسول الله ؟

فقال: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له “.

وقد قال الله تعالى:

{إنَّ سعيكم لشتّى ، فأمّا من أعطى واتّقى وصدَّق بالحُسنى فسنيسّره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذّب بالحسنى فسنيسّره للعُسرى} [الليل: 4-10].

فعلى كل أحد أن يعمل ويبحث عن مواطن الهداية ويدعو الله أن يرزقه الثبات على الدين، وأن يعلم أن الله تعالى قد خلق الخلق وهو يعلم أرزاقهم وآجالهم وما هم عاملون ، ونحن نرى أكثر الناس يستشكلون أمر السعادة والشقاوة ، ولا يستشكلون أمر الرزق ونحوه ، وهي من باب واحد من جهة خفائها عن الخلق وأن علم الله قد سبق فيها.

والواجب أن نثق بحكمة الله وعدله ، وأنه لا يعذب أحد بغير ذنب استحقه وأنه يعفو عن كثير. وقاعدة ذلك التسليم لأمر الله ، ما بلغته عقولنا وما قصرت عن فهمه ، وأن العجز والقصور والخلل فينا لا في حكمة الله تعالى.

وأما الاحتجاج بكونه سبحانه يعلم مصير كل فرد من مخلوقاته فهذا أمر طبيعي للإله القادر العليم.

وكيف يكون رباً للأشياء وهو لا يعلم مصيرها ولا ما تؤول إليه: فالإله الذي يجهل مستقبل مخلوقاته ولا يدري هل سيعصونه أم سيطيعونه ، ولا يدري من الذي سيعذب منهم ولا من سيرحم ، لا يستحق أن يكون إلها ، لعدم إحاطة علمه بما خلق ، والله سبحانه وتعالى علمه محيط بكل شيء من مخلوقاته ولذا قال:

{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] .

وهو الذي يفعل ما يشاء كيف يشاء لا دخل لأحد من خلقه في فعله جل وعلا ، قال تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23].

وقد أخبرنا سبحانه أنه خلق الجن والإنس لعبادته وطاعته ، فقال:

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56].

فالحكمة القدرية الكونية هي ظهور حكمة الله وعفوه ورحمته وغضبه وسخطه وعذابه، وغير ذلك من صفاته سبحانه التي تتجلى في خلق الإنسان والجان على الحال الذي هما عليه من العقل والشهوة، حيث إن الله تعالى قد خلق .. الأحياء على ثلاثة أصناف:

1) فصنف ركب الله لهم عقلاً ولم يركب لهم شهوة ومُسيرين وهم الملائكة .

2) وصنف ركب الله لهم شهوة ولم يركب لهم عقلاً وهي البهائم .

3) وصنف ركب الله لهم عقلاً وشهوة ومُخيرين وهم الإنس والجن .

فمن غلب عقله شهوته فهو على رأس القائمة لأن الملائكة تطيع الله بجبلتها ولا تحتاج إلى مجاهدة الشهوة من أجل الطاعة بخلف الإنس والجن ، ومن غلبت شهوته عقله فهو أدنى من البهائم لأن البهائم لا عقل لها يحجزها عن الشهوة.

قال الله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف:179].

.والفرق بين الأمر الشرعي والأمر القدري الكوني أن الأمر الشرعي قد يقع وقد لا يقع وهو فيما يحبه الله فقط، أما الأمر القدري فهو حتمي الوقوع ومنه ما يحبه الله ومنه ما لا يحبه.

ففي إيجاد الإنس والجن ، وابتلائهم بالتكاليف ، ثم مجازاتهم على أعمالهم ظهور لآثار أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ، فهو الخالق الرازق المحيي المميت ، وهو الرحمن الرحيم ، والحكيم العليم ، وهو ناصر المؤمنين ومخزي الكافرين ، وهو الديان الذي يحاسب عباده ويجازيهم على أعمالهم ، وهو المنتقم الجبار ، الذي ينتقم لأوليائه من أعدائه ، وهو الموصوف بكمال العدل والإحسان جل وعلا.

فالكفر والمعاصي والأخطاء وما يترتب عليها من عقاب راجعة إلى مخالفة أمر الله ونهيه ، وليس ذلك متعلقاً بالخلق والإيجاد ، فإن الله خلق الإنسان سميعاً بصيراً قادرا ً، كما قال تعالى:

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 1-3].

فخلق الله لخلقه وهدايتهم للهداية بيان وإرشاد ، فبين لهم طريق الخير وطريق الشر ، ثم مكنّهم من الاختيار ، فأي إكرام للإنسان فوق هذا الإكرام ، وأي احترام للإنسانية فوق هذا الاحترام، ولو أننا سألنا أكثر الخلق هل يحبون أن يكونوا في هذه الحياة مجبورين مقهورين لا يملكون إرادة ولا اختيارا ً، أو مختارين لهم القدرة والإرادة والاختيار .. لاختاروا الثاني .

فإذا كان الأمر كذلك فكلٌ يتحمل نتيجة سلوكه ، ويتحمل مغبة نقصه بعد أن خلقه الله كاملاً في أحسن تقويم ، قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:79].

فكل حسنة تصيب العبد من صحة وعافية ورزق في الدنيا والآخرة فهي محض فضل من الله ، وكل سيئة تصيب العبد في الدنيا والآخرة فهي من نفسه ، لأنه قد أوتي قدرة على العمل ، واختياراً في تقدير الباعث عليه من درء المضار وجلب المنافع .

وقد قامت الأدلة القاطعة في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان على حكمة الله وعلمه وتقديره ، كما قال تعالى:

{قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ… إلى أن قال: …ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت:9-12].

فإذا اعتقد المؤمن وأيقن بحكمة الخالق جل وعلا وعلمه المحيط وقدرته التي لا يعجزها شيء ، فيجب القول بموجب هذا الاعتقاد في كل ما يخلقه الله ويصفه ، وفي كل ما يأمر به ويوجبه، وفي كل ما ينهى عنه ويحرمه ، وإذا غابت عن العقل البشري الحكمة في جزئية من الجزئيات أو في صورة من الصور لم يكن ذلك مسوغاً لمخالفة تلك الأدلة القاطعة.

والله تعالى خلق الخلق على هذه الصورة لحِكَم جليلة ظهر لنا بعضها ولم يظهر البعض الآخر، وقد سبقنا إلى هذا السؤال الملائكة ، وأجيبوا جواباً قاطعاً لا يسعنا بعده إلا أن نتيقن حكمة الله ، ونطمئن إلى تقديره ، قال تعالى حاكياً عن الملائكة: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30].

فإذا كانت الملائكة لا تعلم فمن باب أولى غيرهم ، وليس في منطق العقل أن يحيط المحدود علماً وهو الإنسان المحدود بحدود الزمان والمكان بالمطلق وهو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة ، أو يُعقِّب على حكمه. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41].

ونجد أن أصل هذه الشبهة الفاسدة هو قياس الخالق على المخلوق، وأنه يجب عليه فعل كذا وكذا، وأن الأصح له كذا وكذا ، ولا ينبغي له فعل كذا وكذا ، وهذا القياس أصل كل بلية ، ومنبع كل فساد ، فالخالق غير المخلوق ، والرب غير المربوب ، فكيف يقال له: افعل ، أو لا تفعل!

وهذا ما رده القرآن وأبطله ، فقال عن الله عز وجل: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23].

وقال: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الفتح:14].

فالمالك القدير له أن يفعل في مملكته ما يشاء ، وقد سبق أن أفعاله كلها حكمة ، وكلها عدل ورحمة ، فالاعتراض على خلقه وتقديره ضرب من الجنون.

وتصحيح للفهم الخاطئ للآية الكريمة:

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} [مريم:71].

فليس المراد من الورود المكث فيها، أو أنه يصيب المتقين من عذابها وحرها ، وسواء قلنا إن الورود الدخول أو المرور ، فإن الله يقول وهو أصدق القائلين:

{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم:72].

فيجعلها عليهم برداً وسلاماً، كما جعل النار على إبراهيم برداً وسلاماً في الدنيا، فمن ضمن الله له أن يبعد عن النار لا يضره الورود، قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا…} [الأنبياء:101-102].

وأما حديث: « كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون » رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصحح إسناده. فحق ؛ ولكن لا يلزم أن يُعذب كل خطاء ، فرحمة الله وسعت كل شيء ، والتائب من الخطأ حبيب الله ، كما قال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) [البقرة:222].

وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:110].

منقول عن الشبكة الإسلامية